الصالحي الشامي

79

سبل الهدى والرشاد

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو متكئ على حصير قد أثر في جنبه ، فقال : يا رسول الله لو اتخذت فراشا أدثر من هذا ، فقال : ( ما لي وللدنيا ، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل في يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ، ثم راح وتركها ) ( 1 ) . وروى البزار عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال : كنا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه إذ استسقى ، فأتي بماء وعسل ، فلما وضعه على يديه بكى وانتحب ، حتى ظننا أن به شيئا ، ولا نسأله عن شئ ، فلما فرغ قلنا : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما حملك على هذا البكاء ؟ قال : بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته يدفع عن نفسه شيئا ولا أرى شيئا ، فقلت : يا رسول [ الله ] ما الذي أراك تدفع عن نفسك ، ولا أرى شيئا ؟ قال : ( الدنيا تطلعت لي ، ) فقلت : إليك عني ، فقال لي : ( أما إنك لست بمدركي ، ) قال أبو بكر : فشق علي ، وخشيت أن أكون قد خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولحقتني الدنيا ( 2 ) . وروى الحسن بن عرفة ( 3 ) في جزئه المشهور ، وابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : دخلت علي امرأة من الأنصار فرأت على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة خشنة ، فانطلقت ، فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما هذا يا عائشة ؟ ) فقلت : يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلت ، فرأت فراشك ، فذهبت ، فبعثت إلي بهذا الفراش ، فقال : ( رديه ، ) قالت : فلم أرده ، وقد أعجبني أن يكون في بيتي ، حتى قال ذلك مرات ، فقال : ( رديه يا عائشة ، فوالله لو شئت لأجرى الله معي الجبال ذهبا وفضة ) ( 4 ) . وروى الإمام أحمد في الزهد عن إسماعيل بن أمية قال : صنعت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فراشين ، فأبى أن يضطجع على واحد . وروى ابن مردويه عن ابن مسعود ، وابن مردويه والدماميني عن أبي الدرداء ، وأبي ذر ، وسعيد بن منصور ، وابن المنذر عن أبي مسلم الخولاني ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أوحى الله إلي أن أجمع المال ، وأكون من التاجرين ، ولكن أوحى إلي أن ) ( فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ، وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ( 5 ) .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر مجمع الزوائد 10 / 254 والمنذري في الترغيب 4 / 207 والمتقي الهندي في الكنز ( 18597 ) . ( 3 ) الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي ، أبو علي البغدادي ، صدوق ، من العاشرة ، مات سنة سبع وخمسين ومائتين ، وقد جاوز المائة . التقريب 1 / 168 . ( 4 ) أخرجه البيهقي في الدلائل 1 / 345 والخطيب في التاريخ 11 / 102 وانظر فتح الباري 11 / 292 والترغيب والترهيب 4 / 202 والبداية 6 / 62 . ( 5 ) أحمد في الزهد ( 391 ) وأبو نعيم في الحلية 2 / 231 والبغوي في التفسير 4 / 78 وابن عدي 5 / 1897 ، 3 / 939 والسيوطي في الدر المنثور 4 / 109 .